عمر السهروردي
228
عوارف المعارف
والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى اللّه تعالى ضرب من المكالمة ، ومن انقطع إلى اللّه أربعين يوما مخلصا متعاهدا نفسه بخفة المعدة ، يفتح اللّه عليه العلوم اللدنية ، كما أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، غير أن تعيين الأربعين من المدة في قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي أمر اللّه تعالى موسى عليه السلام بذلك ، والتحديد والتقييد بالأربعين لحكمة فيه ، ولا يطلع أحد على حقيقة ذلك إلا الأنبياء إذا عرفهم الحق ذلك ، أو من يخصه اللّه تعالى بتعريف ذلك من غير الأنبياء . ويلوح في سر ذلك معنى واللّه أعلم ، وذلك أن اللّه تعالى لما أراد بتكوين آدم من تراب قدر التخمير بهذا القدر من العدد كما ورد : خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا ، فكان آدم لما كان مستصلحا لعمارة الدارين ، وأراد اللّه تعالى منه عمارة الدنيا . كما أراد منه عمارة الجنة ، كون من التراب تركيبا يناسب عالم الحكمة والشهادة وهذه الديار الدنيا . وما كانت عمارة الدنيا تأتى منه وهو غير مخلوق من أجزاء أرضية سفلية بحسب قانون الحكمة فمن التراب كونه ، وأربعين صباحا خمر طينه ليبعد بالتخمير أربعين حجابا بأربعين حجابا من الحضرة الإلهية ، ومواطن القرب ، إذ لو لم يتعوق بهذا الحجاب ما عمرت الدنيا ، فتأصل البعد عن مقام القرب فيه لعمارة عالم الحكمة وخلافة اللّه تعالى في الأرض « 1 » . فالتبتل لطاعة اللّه تعالى والإقبال عليه ، والانتزاع عن التوجه إلى أمر المعاش بكل يوم يخرج عن حجاب هو معنى فيه مودع ، وعلى قدر زوال كل حجاب ينجذب ويتخذ منزلا في القرب من الحضرة الإلهية التي هي مجمع العلوم ومصدرها ، فإذا تمت الأربعون ذات الحجب وانصبت إليه العلوم والمعارف انصبابا .
--> ( 1 ) هذا اجتهاد من المصنف رحمه اللّه .